يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
193
النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه
ومذهب يونس أن الجماء الغفير اسم لأنه في موضع المصدر ، وأن الألف واللام في نية الطرح . ورد هذا سيبويه وألزمه أن يجيز مررت به القائم ، وجعل يونس " قضهم " " وحده " بمنزلة كلمته فاه إلى في . فرد عليه سيبويه بأن قال " فاه إلى في غير الأول " . و " وحده " عند يونس هو الأول . ومعنى ذلك أن يونس يجعل وحدة بمنزلة متواحدا أو منفردا . ويجعله للمرور به . وقوله : " كلمته فاه إلى في " معناه المشافهة . وفي قول يونس وجه آخر ، قال : إذا قلت : مررت به وحده ، فمعناه على حياله ، وعلى حياله في موضع الظرف ، وإذا كان الظرف صفة أو حالا قدر فيه مستقر ناصب للظرف ، ومستقر هو الأول . وأما مذهب سيبويه في " وحده " فالذي قال أبو العباس أنه يحتمل أن يكون للفاعل والمفعول به . - أما كونه للمفعول فهو أن تقول : مررت وحده ، أي : منفردا في مكانه ، لم يكن معه غيره . - والآخر أن تجعل قصدك إليه دون غيره ، فتقول مررت به وحده ، أي : لم أعتمد غيره . وكان الزجاج يذهب إلى أن " وحده " مصدر وهو من الفاعل دون المفعول . فإذا قلت : مررت به وحده فكأنك قلت : أفردته إفرادا ، ثم إن سيبويه جعل يونس - في جعله طرا وقاطبة اسمين لا مصدرين - أعذر منه في الجماء الغفير ؛ لأنهما نكرتان ، وهما اسمان ، غير أنه لا يقول بقوله من أجل أنه لو كانا اسمين يوصف بهما لجاز أن يستعملا متمكنين ؛ لأن هذا سبيل الصفات التي تستعمل أحوالا . قال : " وتقول هو نسيج وحده " . فهذا مدح ، وأصله أن الثوب إذا كان رفيعا لا ينسج على منواله غيره ، فكأنه قال : نسيج إفراده ، ويقال للرجل إذا انفرد بالفضل . وأما : " عيير وحده ، وجحيش وحده " . فهو تصغير عير وهو الحمار . وجحيش وهو ولد الحمار ، ويذم بهما الرجل ، وهو الذي ينفرد برأيه ولا يخالط أحدا في مشورة ولا معونة ، ومعناه أنه ينفرد بخدمة نفسه ، ويقال : عيير نفسه وجحيش نفسه على ذلك المعنى .